Monday, February 10, 2014

جاكو فان دورميل .. الذي لا يعرفه أحد


"لا تتذكر الشخصيات بدايتها أو مولدها؛ لذا كل منها يتخيل ما شاء. (توتو) شبه مولده بحجر ألقي في البحر، و بأن شقيقه ولد في غسالة ملابس. حتى لو كان الزمن يستمر للأبد، و الكون لا نهائي؛ فإن الحياة تستمر لفترة قصيرة، و في مساحة محددة، و ليس هذا بالأمر الحزين كما قد يبدو"

**

إنتقامُ عبثي من حياة لم تعاش
في ليلة ميلاد (جاكو فان دورميل) إلتف حبله السري حول رقبته و عانى من نقص وصول الأكسجين للمخ. ظن أطباءه أنه على وشك الموت، أو في أحسن الأحوال الإعاقة الذهنية للأبد.
لكن ليلة ميلاد (توماس) و (ألفريد) شهدت حادثًا من نوعٍ آخر. شب حريق هائل بالمشفى. هرعت كل أم لرضيعها لتهرب به، لكن واحدة ترددت أمام طفلين، ثم أخذت أحدهما و هربت به من الموت.
هكذا يقف الطفل (توماس) أمام (ألفريد) ليطلب منه في بساطة أن يمنحه حياته مؤكدًا أنها بالأساس ليست له، و إنما لـ (توماس)، و أنهما تمت مبادلاتهما ليلة الحريق، و أنه يذكر ذلك بدقة. (توتو) الهزيل الذي يسخر منه كل أقرانه كان يهرب من إحباطاته إلى خيالات كونه "توتو البطل" الذي يقاتل العصابات الشريرة التي تختطف أبيه. أن تكون بطلاً بدلاً من أن تكون هاربًا من حياتك ذاتها. و كأنك تعيد مونتاج ثمانين عامًا من حياتك العبثية لتحاول أن تجعلها الأفضل.
حين يقف (توماس) الشاب مجدداً على عتبة باب (ألفريد) يعرض عليه (ألفريد) أن يستبدل معه حياته. "ألم تكن تريدها؟ خذها". ثم يقف بعدها (توماس) الكهل الذي تسيطر عليه فكرة إنتقامية لقتل (ألفريد)، يفتح (ألفريد) الكهل الباب، فلا يجد (توماس) ما يحقق له إنتقامه العبثي.  فيضحك طويلاً !
ما الذي أضاع (توتو) عمره لأجله ؟ هل كان الأمر يستحق ؟ هل حياته هي الأفضل أم تلك الحياة التي لم يحصل عليها؛ فقط لأنه لم يحصل عليها ؟

**

"في أفلامي يحاول الأبطال رواية حياتهم على طريقتهم، فيما عدا (جورج). (جورج) يعيش الحياة كما هي. لا يحتاج للتظاهر، لا يحتاج لإعادة رواية حياته بطريقة أخرى، لا يحتاج للتشبه بآخرين،"

**

في اليوم الثامن خلق الله (جورج)
لم يصاب (جاكو) بأية إعاقات ذهنية، لكن والدته حذرته طويلاً من النظر في عيون مصابي (متلازمة داون) لأنهم يخجلون من النظر المباشر في عيونهم. لم ينظر (جاكو) في عيونهم طويلاً، لكنه عمل معهم كثيراً و كان أقربهم لقلبه: (جورج). يؤمن (جورج) بالعلامات. بأنك إن لمست شجرة، تصبح شجرة. يتبع الأسهم أينما ظهرت موقنًا أنها ستقوده لوجهته. حين يرحل جميع الأباء مع أبناءهم و يبقى هو وحده بدار الرعاية التي يقطنها، يقرر أن يحمل حقيبته و لوحة لمنزله يستدل منها عليه، و يرحل. يضيع البطرقات التي تشابهت عليه إذ يحاول الوصول لولدته التي لم تزره.
أما (هاري) فقد نسي أن يصطحب طفلتيه من المحطة في غمرة عمله كمدرب للتنمية البشرية لموظفي أحد البنوك. يبتسم (هاري) كثيراً في عمله، و حين يعود لمنزله يتجرع وحدته في صمت، و يبتلعها بخيالات لمحادثات وهمية مع زوجته يحاول أن يفهم منها لماذا تركته. (جورج) يريد – ببساطة – الزواج من (ناتالي)، و (هاري) يريد رأب التصدعات التي تملأ حياته و علاقاته بزوجته و ابنتيه. و حين تتقاطع حياتا (جورج) و (هاري) تتكون بينهما صداقة فريدة يجد فيها كل منهما دفء العلاقات الإنسانية و بهجة الحياة، و لو لأيامٍ قليلة.

**

"في (مستر نوبادي) يقع الطفل في أزمة الخيار المستحيل. ينظر لكل الإحتمالات الممكنة لمستقبله، لكنه لا يعرف أيها يختار. كل الحياوات ممتعة و مثيرة، كلها بها الكثير من الحب، و الكثير من القسوة. كلها مؤلمة، و كلها سعيدة."

**

كل الطرق متاحة. كل الطرق مستحيلة
ولد (نيمو نوبادي) – تعني (لا أحد – لا أحد) باللاتينية و الإنجليزية – يوم التاسع من فبراير، نفس يوم ميلاد (جاكو فان دورميل)، و في حين نشأ (جاكو) بين أفراد أسرته بعد إنتقالهم إلى ألمانيا، ثم العودة لبلجيكا، فإن (نيمو) حين بلغ التاسعة وقع في الإختيار المستحيل. يقف على محطة القطار و أمه تخطو نحو العربة التي توشك عى الحركة، ينفلت الطفل من يدي أبيه و يركض. هكذا تصير كل الإحتمالات ممكنة. لو لحق بالقطار و عاش مع أمه فهل سيعثر على حبيبته ؟ هل سيجد سعادته ؟ و إن بقى مع أبيه فمن سيتزوج ؟ هل سينجب طفلين من (جين) أم ثلاثة من (إليز) ؟ هل سيعمّر حتى سن المائة و الثامنة عشر أم سيقضي نحبه شابًا غرقًا في النهر ؟ كل الإحتمالات متاحة إذا لم تختار أيها. كل الحياوات ممكنة إذا لم تسك دربّا محدداً. لكن (نيمو) إذ يطلع على كل إحتمالات مستقبله لا يدري أيها يختار ! إن مساحة الإختيار زادت الأمر تعقيدًا عن لو كانت حياته محددة مسبقًا و لا إختيار فيها. "في الشطرنج يسمونها (سوبسوانج) حين تكون الحركة الوحيدة المتاحة، هي ألا تتحرك."
يقف (نيمو) على قضبان السكة الحديد ناظراً للعربة التي تحمل أمه بعيداً، و ولوالده الذي يركض ناحيته و يقرر أن كل الخيارات المتاحة قاسية، و لا تعجبه !

**

ما هو الواقع؟ كيف هو العالم الحقيقي؟ يمكنني أن أتظاهر أن العالم الحقيقي هو ما أشاهده في التلفاز، هو الحصول على وظيفة، أو نقود، أو تكوين عائلة و إنجاب أطفال. لا أستطيع الجزم لأنني أرى الحياة من الخارج. لكني أجيد الحكي، أجيد حكي ما أراه، ما أسمعه، و ما أشعر به. ربما يكون الواقع مختلفًا تمامًا عن كل ما أفكر فيه. لذا فأنا أظن أن أسئلة الطفولة عن ماهية (الواقع) لا إجابة لها بعد ! لكنها تبقى شيقة رغم ذلك."
**

تسعة أفلام قصيرة و ثلاثة أفلام سينمائية طويلة هي كل ما جاد به (جاكو فان دورميل) على جمهور السينما. أولها Toto The Hero  الذي أنتج عام 1991 تبعه و بعد خمسة أعوام بفيلم The Eighth Day  و كليهما نال إستحسانًا من من الجماهير و النقاد، ثم اختفى لثلاثة عشر عامًا كاملة ليعود بعمله الأخير Mr. Nobody الذي استغرق في كتابته ستة أعوام كاملة.

(توتو) هو طفله الأول، الفتى الذي هرب من واقعه لأسطورته، أجاد الهرب فلم يفعل سواه. تعجّل دومًا فلم يحصل على مبتغاه؛ حينها يبدأ في الركض إبتعاداً عن الواقع، أو عن دار رعاية للمسنين يقضي فيها سنوات عمره الأخيرة. لكن على عكس (توتو) فإن (جورج) هرب إلى الحياة لا منها. ربما لأنه لا يجيد إستيعابها بالكامل. يأكل (جورج) الشيكولاتة حتى يمرض، و يطلب الزواج من كل من تعامله بلطف. ينسج أسطورته بصدق لا يتعارض مع كونه طفلاً (مانغوليًا) فيتصوّر نفسه فارسًا تتاريًا يختطف حبيبته و يرحل بها. و حتى (هاري) أكبر أبطاله سنًا و أكثرهم تعقلاً يهرب يومًا من عمله، من واقعه، يرحل مع أصدقائه الجدد إلى حيث شاء. أما (نيمو) فهو الطفل الذي رأى كل شئ فلم يختر أي شئ. لا يعرف أي الدروب يسلك. لكنه في مسارات حياته المختلفة يهرب من إحداها للقص، فيكتب عن حياة أخرى غير تلك التي يحياها، حتى (نيمو) الذي عرف كل شئ يمارس فعل الهرب !

كل شخوص (جاكو فان دورميل) هاربة، خائفة، تبحث عن نهاياتٍ بديلة و سيناريوهات مختلفة، فعل نمارسه نحن كذلك دون أن ندري، لكن (جاكو) الذي يؤمن بأنه لا يعرف ماهية (الواقع) بعد يجيد رواية واقعنا عنا. ينسج في أفلامه قصصًا محكمة، يمزج الواقع بفانتازيا خيالات أبطاله دون إفتعال ليلعب – ببراعة – على أوتار خيالات مشاهديه و مشاعرهم و هروبهم.

و كما يجيد (جاكو) اللعب على أوتار إنسانية مشاهديه، فإن شقيقه الأكبر (بيير) كان يجيد صناعة عالم موازٍ لشخوص شقيقه بموسيقاه. يمنح كل بطلٍ مقطوعته الخاصة. (توتو) تصحبه موسيقى حزينة لشخصٍ هارب، لم يعش حياته. يُمنح (جورج) موسيقى ملحمية لفارسٍ منغولي يواجه العالم ليحظى بحبيبته. أما (نيمو) فيحظى بموسيقى حالمة لطفلٍ سلك كل الطرق الممكنة لحياته، و كأنها حلمٌ طويل بدأ و انتهى على قضبان السكة الحديدية في محطّة قطار صغيرة.
رحل (بيير) و اختفى (جاكو) بلا مخططات معلنة، تاركًا من يعرفونه بإنتظاره.

لكل الدفء الذي أدخله (جاكو فان دورميل) في حياتي، و لمتعة مشاهدة أفلامه أكتب عنه من بلدة تبعد آلاف الكيلومترات عن موطنه، و بلغة لا يعرفها فقط لأقول: "كل عام و أنت بخير عزيزي (جاكو)" ..



Friday, August 30, 2013

Before Midnight - كيف وصلنا لهنا ؟



تنبيه هام : هذه التدوينة هرتلة شخصية بحتة لا علاقة لها بنقد الفيلم أو خلافه ! كما أنها تُفسد الفيلم تمامًا لمن لم يشاهده بعد. اقرأ على مسئوليتك الشخصية ..

منذ عام تقريبًا قررت الكتابة عن ثنائية (Before Sunrise - Before Sunset) إذ أنها تمثل لي يوتوبيا العلاقات الإنسانية. كنت وقتها أعرف بمشروع الفيلم الثالث بعد تسع سنوات جديدة، و أبديت تخوفي مما يمكن أن يحدث في (Before Midnight) ..
ثم شاهدتُ الفيلم.. الثنائي المثالي الذي أحببته منذ الجزء الأولى، و ازداد التعلق به مع الجزء الثاني بتفاصيلهما و تعقيدات حياتيهما. تسع سنوات أخرى قد مرّت منذ آخر مرة شاهدنا فيها (جيسي) يتجاهل طائرته ليجلس لمشاهدة (سيلين) تغني لـ (نينا سيمون) و هي تتمايل في حين تعد الشاي..
حينها تمنيت – كما الكثيرون – أن أعرف ماذا سيحدث بعدها، و بعدها هذه تعني تسع سنوات كاملة من عمريهما و أعمارنا. (جيسي) انفصل عن زوجته الأمريكية و يبدو أن علاقته بابنه تؤرقه بإبتعاده عنه في السنوات الأهم في عمره، خاصة مع كراهية الزوجة السابقة لزوجها و والد ابنها، ذلك الذي تركها من أجل الفرنسية التي قضى معها يومين فقط يفصلهما تسع سنوات !
هناك توأم لطيف كذلك (إيلا) و (نينا) و محادثة بين (جيسي) و (سيلين) عن تعقيدات كونهما والدين و كيف يؤديان مهمتهما مع إجماعهما على كونهما "
Shitty parents" ..
في منزل مضيف العائلة الكاتب اليوناني يدور حوار رائع بين الجميع، أشخاص جدد يشاركون الثنائي في النقاش حول العلاقات العاطفية و الزواج. يبدو أن هناك توتر طفيف بينهما يتعلق بشعور (جيسي) بالتقصير تجاه ابنه الصغير، و منه يصل لـ (سيلين) رغبته في الإنتقال إلى شيكاجو – رغم أنه لم يصرح بذلك – و تجد فيها مبرراً لتسخط عليه !
الحديث على المائدة كان عظيمًا حقًا !
تقول (آنا) :
- لما بأسمع حكاياتكم دي، باسأل نفسي إذا كانت فكرة الحب الأبدي دي لسه موجودة ! أنا عارفة إننا هاننفصل في النهاية.. جدتي كتبت رسالة لعيلتها كلها و هي على فراش الموت. ستة و عشرين صفحة استهلكت منهم تلات صفحات و هي بتحكي عن لبس صممته لمسرحية. كتبت عن صحابها كلهم، و عن جدي كتبت بالظبط تلات جمل: "راح الحرب"، "اتنقلنا بسبب شغله"، "مات" ! نصيحتها كانت: "ماتستهلكيش نفسك في الحب و الرومانسية، الصداقة و الشغل هما السعادة" ..

(آنا) رغم رأيها ذلك إلا أنها تتمسك بالإلتصاق بصديقها حتى أنهما يتركا كاميرا محادثات الـ (Skype) مفتوحة حتى أثناء نومهما ليتخطا المسافة و الإبتعاد الملموس !

Saturday, January 19, 2013

فاطمة ...


عزيزتي فاطمة ..

كنت أظن أن الكتابة إليكِ في عيدك ستكون أكثر سهولة عن ذلك، لكني الآن ادركت كم هي شاقة و كأنها نقشٌ على ماء .. ببساطة لا كلمات تجيد تعريف تلك العلاقة البسيطة المعقدة التي تربطنا .. يكفيني أنكِ تعرفين : )

بدأتُ الأمر بإحتفال بعيد مولدك، لكنني في الواقع أحتفل أكثر بودٍ دام لـ ما يقرب من خمس سنوات مرت سريعًا حتى أنني و أنا أحصيها الآن أصابتني الدهشة ! هل أعرفك حقًا منذ خمس سنوات ؟ 
و على الرغم من دهشتي من كون تلك السنوات الخمس مرت سريعًا، لكنني اندهشت أكثر حين اكتشفت أنهم فقط خمس سنوات ! كل ذلك الدفء و الصدق و الحب و الحكي و التحليق بعيداً عن الواقع بتفاصيله، كل هذا حدث في خمس سنواتٍ فقط ؟

(تذكري أنه ليس فقط عيد ميلادك، لكنها بداية تلك الصداقة الغريبة التي جمعت أربعة ساحرات حالمات و شاب فريد من نوعه .. كل سنة و إحنا سوا)
كل عام و أنتِ رائعة .. كل عام و أنتِ حالمة، دافئة كما أنتِ







Friday, January 11, 2013

و كالعادة : أفلامي المفضلة لعام 2012


حاولت أن أكتب عن أفلام 2012
فتحت عدة صفحات إنترنتية لأتذكر أفلام 2012 و ماذا كان تقييمي لها، فلم أتذكر !
تهت قليلاً بين آخر عشرة أفلام شاهدتها من إنتاج 2012 و لم أجد بينها مايستحق أن أضعه كأفضل ما شاهدت هذا العام. الكثير من الأفلام متوسطة المستوى، القليل من الأفلام الجيدة.

أعدت التفكير ثانية و فكرت أنه من الأفضل لو كتبت عن الأفلام التي شاهدتها في 2012 بغض النظر عن تاريخ إنتاجها، و ربما عدت للكتابة عن أفلام 2012 إذا واتتني الفرصة لمشاهدة بقية إنتاجها المؤجلة مشاهدته لحين صدور نسخ لائقة.


1 ) Medianeras
الحوائط الجانبية لبيونس آيرس التي تشبه كثيراً حوائط القاهرة.. و بشكلٍ ما تشبه قلوبنا المشوّهة بمحاولات التغيير، اللهاث من أجل التطوّر، فعل الزمن و بالكثير من التعقيدات المؤسفة.
(ماريانا) التي شعرت أنها تشبهني كثيراً. خرجت لتوها من علاقة حب فاشلة استنزفتها، فشلت كمهندسة فعملت كمصممة لواجهات المحال التجارية حيث تفصلها دومـًا عن العالم ألواحًا زجاجية تحول دون لمسه.
ثم هناك (مارتن) ذلك الـ Geek  العتيد الذي اختار أن يرى العالم عبر شاشات كومبيوتره و عدسات كاميرته.. مريض الوسواس القهري الذي لا ينام و لا رفيق له إلا كلبة صغيرة هي ما بقي له من علاقته الفاشلة.
بشكلٍ ما يمثل (ماريانا) و (مارتن) الثنائي النموذجي الذي يعيش على مسافة عشرات الأمتار لكن كلاهما لم يعثر على الآخر بعد ! هاجس مرعب آخر يتعلق بكل الفرص الضائعة التي ربما لن تعرف قط أنها ضاعت.
يمكنني بثقة أن أمنحه ثماني درجات و نصف عن كل البساطة و الدفء الإنساني الذي منحنيها، و متعة الفواصل العبقرية مع الـ (Narration)  العبقري لـ(ماريانا) و (مارتن)..


2) In the Mood for Love
هذا الفيلم الذي لطالما أجلت مشاهدته بحثًا عن ذلك الوقت المناسب الذي أكون فيه In the mood for love ، ثم شاهدته في النهاية عقب الأزمة النفسية اللاحقة لإنتخابات رئاسة الجمهورية في مرحلتها الأولى !
ابدأ بالموسيقا : ما هذا السحر ؟ ماهذه العبقرية المطلقة التي يتمتع بها Shigeru Umebayashi – لا أجيد نطق اسمه أو كتابته بالعربية – و التي جعلتني قبل أن أنتهي من الفيلم قد بحثت عن موسيقاه ؟
ربما تصاب بالملل من مشاهد الفيلم الطويلة الهادئة للسيدة (تشانج) و هي تشتري (الشعيرية) الساخنة و تصطدم في صعودها بالسيد (مو – ان)، لكنك حين تدرك الحقيقة التي يصوغها المخرج (كار واي وونج) في بساطة و يعرضها عليك عابراً دون تفاصيل كثيرة فإنك و لابد ستتناسى هذا الملل و تتمسك بهذا الثنائي الذي وضعته الظروف في موقف فريدٍ !
ثماني درجات للـ
Mood  الذي وضعني الفيلم فيه، و المزيد من هواجس الفرص الضائعة..

3) Cloud Atlas
لن أختار فيلمًا رومانسيًا هذه المرة .. بل ملحمة امتدت لمئات السنوات و ربطها دومًا وجود ذات الشخصيات بشكلٍ أو بآخر !
الفيلم خرج من بين إيدي ثلاثة من (ألسع) مبدعي السينما : الأخوان واشوسكي / ماتريكس و توم تايكر / العطر. و من بطولة توم هانكس – هال بيري – هيوجو ويفنج – بين وايشو – جيم سترجاس و آخرون تألق كل منهم في عدد من الشخصيات على مدار الفيلم و بعضهم تغيّر شكله بالكامل حتى أنك لن تكتشفه إلا مع تتر النهاية إذ يعرض عليك كل الشخصيات التي قدمها كل ممثل.
السر ليس فقط في كونه فيلماً ملحميًا – إن جاز الوصف – لكن في ذلك الرابط العجيب الذي ربط بين الشخصيات على مر الأزمنة. ذلك الـ (Narration) العبقري الذي كان يتخطى المشهد ليستعرض في سرعة و بساطة كيف أن هذا الحدث و هذه المشاعر قد مرت على الجميع و تتكرر و ستتكرر دومًا.
بشكلٍ ما هذا الفيلم واحد من تلك الأفلام التي لن أجيد الحديث عنها و يترك لكل مشاهد أن يستمتع به كيفما ارتأى.
هل قلت أن موسيقا الفيلم عبقرية ؟ توم تايكر شارك أيضًا في إعدادها ! أنا أحب الرجل منذ شاهدت Perfume: a story of a Murderer
سبع درجات و نص – و لا تسألني لم هذا النصف !


4) Moonrise kingdom
قد يظن أحد أصدقائي – سامح – أنني لم أحب الفيلم لأنني انتقدته بعض الشئ، لكني في الواقع أحببت الفيلم جداً ! بداية يجب أن أشيد ببالتة الألوان التي يمسكها ويس آندرسون حين يخرج فيلمًا.. هذا الرجل يجيد بشدة إنتقاء ألوانه حتى أنها أصبحت عادة أن أشاهد دقيقة من أي فيلم من إخراجه فأعرف تواً أنه المخرج.
 الكثير من البرتقالي الدافئ، الأخضر الذي يشع بالتفاؤل، الكثير من الأشجار، الكثير من البهجة مع طفلين آمنا ببعضهما البعض و قررا أن يرتبطا حتى و إن لم يفهما بعد معنى الزواج أو ما يتعلق به، بل إنهما حتى لا يجيدا التقبيل !
مشاركات بسيطة لنجومٍ كبار مثل بيل موراي – لا أظن أن ويس آندرسن يستطيع الإستغناء عنه – بروس ويليس، فرانسيس ماكدورماند و إدوارد نورتون ..
ببساطة شاهد الفيلم في صباحٍ بارد مع كوب من الكاكاو الساخن و ستشع روحك بالدفء و البهجة.
سبع درجات ملوّنة ..

5) Beginners
هناك شئ ما في هذا الفيلم لا أفهمه يجعلني دومًا أفتحه على مشاهد بعينها و أجري بينها سريعًا .. ربما هي الفواصل المختلفة ؟ ربما كانت تلك الطريقة التي يحكي بها (أوليفر) عن نفسه و عائلته لـ (آنا)، أو يحكي عن (آنا) لنا .. ربما هي تلك الفرصة المميزة للتعرف على شخص مختلف بشكلٍ مختلف و في إطار حزين و بائس نوعًا ! و ربما هي النهاية المبهجة نوعاً، إذ نكتشف أننا كلنا بالنهاية مبتدئين في هذه الحياة أيًا كانت أعمارنا و ربما كان هذا جيداً إذ يبقى لدينا الشغف للإقتراب أكثر و التعلم ..
سبع درجات أخرى !

6) Like Crazy
كتبت عن الفيلم سابقًا – هنــــــا -  و لا طاقة لي للكتابة عنه مجدداً .. يكئبني مجرد التفكير فيه !


7)، 8) The DarkKnight Rises / Skyfall
فيلمان في مقامٍ واحد بالنسبة لي. لا أدري إن كان السر في الرقم (ثلاثة) أم أنه في كوني انتظرت كليهما لفترات طويلة فإذا بي لا أحصل على ما ارتفع إليه سقف توقعاتي !
أعجبني الفيلمان، كلاهما ممتاز من كل النواحي، قصتان محكمتان، الكثير من دقة التصوير و براعته – خصوصاً Skyfall  - لكن تبًا للأشياء الناقصة. هناك شئ ما نقص في كلا الفيلمان و لا أعرف حقًا ماهو، لكنني طوال المشاهدة أشعر به ..
هل افتقدت الـ Villain العبقري الذي شاهدته في  The Dark Knight و لم أحصل عليه في The Dark Knight Rises  رغم وجود توم هاردي كبديل لا أظنه يقل كفاءة عن هيث ليدجر – إذا ما تم منحه الفرصة الملائمة.
هل افتقدت جيمس بوند نفسه و أنا أشاهدSkyfall  فإذا به شبه حطام رغم وجود الـ Villain  المناسب هذه المرة – الرائع خافيير برديم – و رغم أن دانييل كريج نفسه أدى دوره بتميّز ؟؟
مخرجان عبقريان – نولان و ميندز – قدما فيلمين أكثر من جيدين، لكن يبدو أن المشكلة تتعلق بي بصورة شخصية !

9) Goya's Ghosts
واحد من تلك الأفلام التي لن أجيد الحكي عنها .. يكفي عبقرية أداء خافيير برديم، يعقبها صمت تام.

10) Anonymous
المجد للخروج عن المألوف في جرأة و بحبكة محكمة. هل كان شكسبير هو حقًا من ألف مسرحياته أم لا ؟ بعيداً عن التاريخ و صحة الأمر من عدمه، فأنا استمتعت بشدة بمشاهدة الفيلم - ضحكات شيطانية متقطعة - و الفكرة نفسها أعجبتني و استغرقت فيها. أبهرتني قوة المسرح حينها، و كل ذلك العته المصاحب لتولي الملكة إليزابيث الحكم و المؤامرات  التي حيكت ضدها حتى موتها ..



لماذا اتوقف عند الرقم 10 ؟ العديد من الأفلام الجيدة الأخرى التي أثق أنني لو أعدت التفكير لغيّرت في القائمة و عدّلت فيها من أجل إدراجهم ضمن أفضل 10، لكن لا قيمة للتقييم أصلاً إلا لي بصورة شخصية .. و عمومًا حتى لا ننسى :

Melancholia و عبقرية لارس فون تراير في أن يصوّر نهاية العالم المحتومة بفكر جديد و مختلف كل الإختلاف عن أيًا مما شاهدته قبل ذلك.. كما أنني أحببت فاجنر على يدي لارس فون تراير و مقدمته الغريبة التي امتدت لسبع دقائق أو أكثر !

Intouchables و بعض الفرنسية المبهجة.. فيلم إنساني بسيط، كليشيهيًا معظم الوقت، لكن يظل له رونقه الخاص و دفئه الإنساني و تلك اللحظات التي انطلقت فيها ضاحكة على (إدريس) و كأنني أشاهد فيلمًا كوميديًا خالصًا !
بالمناسبة الفيلم بعيد عن الكليشية إلى حدِ كبير لأنه بالأساس قصة حقيقية !!

Darbareye Elly الفيلم الإيراني المتميز الذي حاكت عبقرية مخرجه أصغر فرهادي و يديه خيوطه المحكمة و تفاصيله اللانهائية التي تقودك من منحنى إلى منزلق إلى صدمة إلى الكثير من المشاعر الإنسانية المختلطة التي تخرج منها بنتيجة واحدة : لا يوجد من يجب لومه !

أدرك أنني نسيت البقيّة خاصة و أن معظم أفلامي الآن تشغل مساحتها الخاصة على جهاز الكومبيوتر الخاص بي و الكسل يمنعني من تشغيله الآن و تذكّرهم، كما أن الساعة الخامسة فجراً و يجب أن أنام ..

أتمنى أن أشاهد بقية الأفلام قريبًا حتى لا ينسيني الكسل متعة الكتابة عنها و لو على فتراتٍ متباعدة ....

Thursday, January 3, 2013

عامٌ .. و عام


آخر ما تم نشره هنا كان بالثامن عشر من سبتمبر .. أكثر من شهرين لم أنشر تدوينة واحدة رغم وجود عددٌ لا بأس به من التدوينات التي لم تنشر، و خربشاتٌ عديدة على أوراق صغيرة تضيع في زحام الحقيبة ..


لم أعد أكتب .. لم أعد أشاهد أفلامـًا كسابق عهدي .. و منذ قرأتُ (تراب الماس) - التي لم تعجبني بالمناسبة - و لم أتم كتابــًا واحداً
 !

بليلة الأول من العام وددت بشدة أن أكتب شيئـًا لكسر الملل .. شيئـًا تقليديًا عن إنجازات العام الماضي و طموحات العام المقبل، لكن لم أفعل ! باليوم التالي كتبت عن فصل الشتاء. تدوينة لزجة باردة تليق بفصل الشتاء، لكنها لم تخرج من الحقيبة إلا الآن حين فكرت في نقلها لهنا، و وجدت فيها من الثقل الروحي ما حال دون نشرها .


لا إنجازات بالعام الماضي .. مجرد عامٌ آخر مضى ملئ بالإحباطات و الإنهزامات و الإنكسارات التي توقفتُ عن ح
صرها .. و عامٌ آخر قادم يحمل ما يُبشر بذات الإحباطات ... لا اعرف إن كانت المشكلة بالشتاء البارد الذي يتسلل لروحي فيقتل أي رغبة بالحلم، أم أن الأمر أصبح جزءاً مني لا يتحمل الشتاء وزره ؟


***


هذا الصباح كنت أقلّب بين الأفلام التي أحبها.. فيلم "Beginners" بصورةٍ خاصة من الأفلام التي أحب مشاهدتها.. تبهجني و تكئبني تلك العلاقة الخاصة بين (أوليفر) و (آنــا).. تركته عند ذلك المشهد الذي تجلس فيه (آنا) في قاعة البيانو في الفندق إذ تقول لـ (أوليفر): "لقد خسرتً الكثير .. و لا أعرف إن كان يمكنني المضي قدمًا معك رغم ذلك أم لا !" ..

عدتُ و فتحتُ فيلمــًا آخر، و كان مجدداً فيلمـًا تتجاور فيه البهجة مع الكآبة: .. "Sidewalls" حيث (ماريانا) تختبئ من العالم خلف واجهاتٍ زجاجية و (مارتين) يختبئ خلف شاشة حاسوبه .. أبتئس حين أفكر كم من المرات كان كلاهما أمام الآخر أو بجواره و لم يره ! تبــًا للفرص الضائعة  !


***


كان أهم ما اختتمت به عامي المنصرم أن اكتشفت أول شعرة بيضاء في رأسي .. كانت طويلة، بيضاء اللون تمامًا إلا من قليل من اللون الفضي قرب جذورها ! كانت ساكنة بين أصابعي ببراءة لا تتناسب و كونها تسخر مني و تؤكد لي أنني أكبر .. لا أضيق من مرور عمري إلا حين أشعر أنه مر دون أن أعيشه كما ينبغي .. لم يمر كما كنت أحلم بأن يمر .. ربع قرن ! خمسة و عشرون عامـًا قاربوا المرور دون أن أحقق ما يذكر..

أذكر الآن تلك الأحلام الجامحة التي راودتني و أنا طفلة عن شابة تسافر، تكتب و تنشر، تغني، تعيش الحياة لمنتهاها.. كبرتُ و لم 
 أتخطى بعد كوني طفلة تحلم بلا جدوى..


***


بعيداً عن إحباطات العام المنصرم، و إكتئابات العام المقبل أجدني مدفوعة للكتابة عن أشياء خاصة تستحق الذكر:

شكراً لسحرة (طب) الرائعون .. شكراً لـفاطمة، زينب، نجلاء، و أحمد .. تفتحون طاقات من البهجة الخالصة في حياتي ..


شكراً لرفاق (حملة أبوالفتوح) المميزون .. شكراً لعزة، ريم، إسراء، أسامة، و محمد.. حدثٌ خاص في العام، و شخصيات أبهجني العمل معها كما تبهجني لقاءاتهم دومًا .. شكراً لصالون العزيزة "ريم" الذي يستقبلنا بالترحاب و وعود الجلسات الدافئة ..


شكراً لأصحاب الـ (براح) الذين يفتحون آفاق الحلم و الحوار و النقاشات المثمرة .. فاطمة و مريم .. قطز ، سامح، محمد، و عمر .. معكم يبقى الأمل قائمـًا ..

شكراً أحمد عبدالمجيد و ياسمين مدكور على الدوائر التي انضممت إليها فاتسعت دائرة روحي أكثر فأكثر. على فرصة الكتابة عن السينما، و الغرق أكثر بين من يحبونها مثلي ..


شكراً للباقيين على عشق الثورة، المترفعين عن إبتذالاتها، الحالمين بغدٍ أفضل و المثابرين من أجله ...


شكراً ندا .. صديقة العمر التي تعيد لي ثقتي دومـًا في وجود قلوبٍ دافئة تعطي بلا حساب .. شكراً فاطمة .. بهجتي التي لا تنتهي .. فتاة القاهرة التي لا تقف عند حدود المسافات بيننا أبداً ..

شكراً لشقيقتي الرائعة التي تشد رحالها إستعداداً لبدء حياة جديدة رائعة كما تستحق .. ستبقين دومــًا دفئي و إن طالت المسافات. رفيقة الدرب، الحزن، الحلم، و رفيقة الغرفة الباردة، الفارغة دونك ...


******
عزيزتي 2013 أحاول أن أستقبلك بلا تحيزاتٍ مسبقة فتخذلني ظنوني السوداء .. أرجوكِ خالفي الظنون القاسية و كوني الأفضل ..


ملحوظة:
تم تعديل التدوينة و بالخلفية تؤكد (دينا الوديدي) أن "عارفك مش تايهة" رغم أنها تعود فتنادي أن "يا ساير يا حاير يا ماشي في دواير" ! استمع للأغنية من هنـــــــا ..